سردية الهذيان – علــي عبدالله سعيــد

أحمد عزيز الحسين - مجلة نقد21 - القاهرة

تتمحور روايةُ "ملح الهَذَيان" لـ"علي عبدالله سعيد" حول العبث والاستلاب وضياع الذّات والبحث عن اللّامعنى، وتُتابِع آليّة تشظِّي الذّات وانعكاسَها على علاقتها بمحيطها الخارجيّ والآخَر الذي تتفاعل معه، وتتقصّى آليّةَ تفكُّك البنية الاجتماعيّة والأسرة التي تتكوّن منها، وتُلاحِق تدمير العلاقة الدّمويّة والقرابيّة، وحلول علاقة الاغتراب محلّ العلاقة التي كانت تربط الفردَ بغيره؛ بحيث أمسى في واقعه الجديد وحيداً غريباً ليس له أحدٌ (ص129). وترشح صفحاتُها بفقدان الصِّلة مع "الآخَــر"، وعدم قدرة الرّاوي المُشارِك (أو الشّخصيّة المحوريّة) على إيجاد لغة مُشترَكة مع هذا الآخَر، وحلول علاقة الاستلاب بينه وبين السُّلطة، أو بينه وبين القطيع، بدلا من العلاقة الدّمويّة أو الجينيّة التي تربط الطّرفين معاً.
ومع أنّ الرّاوي المُشارِك مناضلٌ أيديولوجيٌّ عتِيدٌ، ينتسب إلى حزب سياسيّ مُعارِض للسُّلطة، غير أنّه يخفق في نيل رضى حزبه السّياسيّ، ومجموعته الأيديولوجيّة التي ينتسب إليها، كما يُخفِق في تجذير شعاراته على الأرض، وإقامة علاقة عاطفيّة سامية مع المرأة التي يحبُّها، أو يتشوَّف لإقامة علاقة جسديّة معها؛ ولذلك يُقبِل على الجنس بشراهة وآليّة تُغايِـر ما هو مألوف، ويستجيب لملذَّات الجسد بوصفه تعويضاً لإخفاقه في تحقيق ذاته، وفي إقامة علاقة إنسانيّة سويّة مع حبيبته، وتغدو المرأةُ بالنّسبة إليه جسداً فحسب لا روحاً وجسداّ معاً، وتكتشف المرأةُ وضاعَته وبطركيّته وتناقُضه الفكريّ، وتخاطبه قائلة :"أرفض أن أكون مجرَّد رقم تافه في عالمك الزُّجاجيّ الهشّ أيُّها المغرور" (ص79).
ويحدِّد الكاتبُ، في ثنايا متنه الحكائيّ، القوّة الاجتماعيّة التي جعلت الاستلابَ يتسيَّد في الحيِّز الذي تتحرَّك فيه شخصيّته المحوريّة أو راويه المشارِك، ويشكِّل سرديّة مُناهِضة لسرديّة السُّلطة والقطيع، ويتبنّى رؤيةً مغايرة لرؤيتهما إلى الحياة والعالم، ويردُّ على من يزعم أنّ سبب الاستلاب يعود إلى قوّة مفارقة للكون، ويذهب إلى أنّ الزّعم السّابق مُتهافِتٌ، ويصبُّ في خانة السُّلطة، ويرى أنّ القوّة السّابقة ليسَتْ هي التي تتحكّم بنمط حياة المُهمَّشين، وتُملِي عليهم الآليّة التي ينبغي أن ينتهجوها في حياتهم؛ بل هناك قوّةٌ على الأرض هي التي تفرض عليهم ذلك، ويرى أنّ هذه القوّة تتكوّن من السُّلطة نفسها، ومن قوى خارجيّة تتضافر معها في التّحكُّم بتشكيل أدمغتنا، وتحديد السُّلوك الذي ينبغي أن ننتهجه في حياتنا الواقعيّة (ص 41).
ويستعيد الكاتبُ من خلال متنه الحكائيّ فضاءً خُلبيّاً هيمنت عليه الواقعيّة الاشتراكيّة بحمولتها الأيديولوجيّة الصّارخة، ويجعل لهذه الواقعيّة تأثيراً في حياة شخصيّاته على أكثر من صعيد، مع أنّ الواقعيّة المذكورة هي وليدة سياق تاريخيّ أفَل منذ ثلاثة عقود ونصف، ولم يعد له وجودٌ في الوقت الحاليّ؛ ولذلك فإنّ استعادته بعد سقوط الاتّحاد السُّوفياتيّ السّابق، والزّعم بأنّ له تأثيراً باقياً في نمط حياتنا أمرٌ يفتقر إلى الدّقّة في رأيي، فضلا عن أنّ الحامل الاجتماعيّ الذي قاتَل لترسيخ البنية السّوسيولوجيّة والفكريّة للواقعيّة المذكورة سقط هو الآخر وتشظّى، ولم يعد له وجودٌ أيضاً؛ ولذلك يمكن الزّعم بأنّ الواقعيّة المذكورة أمستْ رمزاً لمرحلة تاريخيّة مضَتْ إلى غير رجعة، ولم يبقَ لها تأثيرٌ في حياتنا عموماً؛ ولذلك فإنّ استعادتها يمكن أن تُعَدَّ إجراءً سرديّاً ليس له مسوِّغٌ تاريخيّ أو تأثيرٌ نصّيّ في تشكيل المبنى الحكائيّ للنّصّ.
ومن اللّافت للنّظر أنّ الرّاوي يصرِّح في مونولوجه الطّويل بأنّ الحيِّز الذي يعيش فيه تُهيمِن عليه "اشتراكيّةٌ قوميّةٌ حاكمةٌ" (ص41)، مع أنّ الاشتراكيّة المزعومة لم يعد لها وجودٌ ملموسٌ في العالم العربيّ أيضاً، ولاسيّما بعد أن أسقطت البرجوازيّةُ الوطنيّة العربيّة وحكوماتُها المتسلِّطة القناعَ عن وجهها، وأعلنت عن إسقاطها للشِّعارات الخلبيّة التي رفعتها أمام شعوبها، وكشفت عن جوهرها الاستبداديّ الخبيء من خلال نهجها الذي مارسته على الأرض في التّعامل مع محكوميها ووطنها.
🔹تشفيــر الزّمــان وتشكيــل المكــان
يعمد الكاتب، في بناء نصّه، إلى المُوارَبة في تسمية المكان الذي تخترقه الشّخصيّات، ويضع مؤشِّرات لسانيّة تدلّ على أنّ الحيِّز الذي تدور فيه الأحداث هو سوريا، ويطلق على هذا الحيّز اسم "بلد الأبَد"، كما يطلق، في مكان آخر من نصّه، اسم "الشّرق العربيّ" على الفضاء الرّوائيّ الذي يحتضن مخلوقاته المتهالكة التي تفوح منها رائحةُ القمامة، ويرى أنّ هذه المخلوقات تقبَل بنمط حياةٍ منحطّ وضيع لا تقبل بمثله الحيواناتُ (ص 59)، ويستخدم مؤشِّراتٍ أخرى تدلُّ على الزّمن الذي يغلِّف وقائعَ متنه الحكائيّ، منها خبرٌ يخصُّ لاعب الشّطرنج الرّوسيّ الشّهير "كاربوف" الذي تألَّق في عِقدي السّبعينيّات والثّمانينيّات من القرن الماضي، وحصل على لقب بطل العالم في رياضة الشّطرنج خلال عامي (1975) و( 1985).
🔹كسْـــرُ القالـــب الرّوائـــيّ
ويلحظ المتلقّي عقب انتهائه من القراءة أنّ الرّواية تتكوّن من مونولوج داخليّ طويل يجري داخل شخصيّة مُستلبَة تهجس بما تعانيه في حيِّزها الضّيّق، وتُعلِن عن رفضها لواقعها، وللقطيع الذي تتعامل معه، وتكشف عن القوى الاجتماعيّة التي تتحكّم بها، وتُجهِض أحلامَها المستقبليّة. ويخترق الكاتبُ عند تشكيل نصّه أعرافَ السّرد التّقليديّة، ويدمِّر نظام التّتابُع الزّمنيّ، ويجعل الوقائع تتناثر داخل المتن الحكائيّ الذي شكّله، ويعمد إلى تغييب الحدث المركزيّ الذي تكْتَنِزُه الحبكة، ويقوم بنثْر ما لديه من وقائع وموتيفات في متن النّصّ كلّه، ويبني روايته من فصل واحد لا منْ فصولٍ متتابعة، ويُقِيم بين الشّخصيّة المحوريّة و"آخَــر مُفترَض" حواراً قصيراً مكثَّفاً يدلُّ على أنّ الشّخصيّة نفسها لا تحيا في ظروف تتيح لها أن تتحاور براحة وهدوء مع شخصيّة أخرى سواءٌ أكانتْ امرأةً أم رجلا (انظر: 54-55).
🔹مفهــوم العزلـــة ودلالـــة الحِـــوار
ويجرِّد الرّاوي المشارِك (الذي ينوب عن الكاتب) من نفسه ذاتاً أخرى، وتحلُّ الذّاتُ الجديدة محلَّ "الآخَر" الذي قطع الرّاوي المُشارِكُ صلتَه معه، ويغدو حديثُ الرّاوي، في هذه الحالة، حواراً مع "آخرَ" مُتخيَّل تجرّدهُ "النّفسُ" من "ذاتها"، وتحاورهُ لتُحسِنَ التّخلُّصَ من حالةِ القلقِ والتّوتُّرِ والغربة التي تعيشها، وبقدْر ما تغدو هذه الذّاتُ مغتربةً في حاضرها، فإنّها تتقوقعُ على نفسها، وتُخفِق في التّغلُّب على العقباتِ الكأداء التي تواجهها في حاضرها. وفي مثل هذه الحالة يكثرُ ميلُ "الشّخصيّة" إلى الوحدة والعزلةِ، وتنعدمُ رغبتُها في التّواصُلِ مع "آخَـرَ"، ويتحوّلُ "حوارُها" معه إلى نوعٍ من "الشّكوى" التي تنعدم فيها إمكانيةُ الحوارِ الحقيقيّ بين شخصيّتين مُتغايِرتين؛ ويغدو "المشكُوُّ" إليه "ذاتاً" أخرى تنقلُ إليه "أنا المتكلّمِ" أو"الرّاوي المُشارِك" حكماً؛ من دون أن ترى أنّ من حقِّه الجدال فيه؛ إذ إنّ ما تنقلهُ، في هذه الحالة، يصبح هو "الحقيقةَ" نفسَها، وليس مجالا مفتوحاً للحوارِ مع "آخَـر"؛ ولذلك يغدو الحوار في هذه الحالة تقنيّةً سرديّة لنقلِ الحقيقةِ إلى "الآخَـر" بعد أن انتفتْ إمكانيّةُ دحضِه، وأمسَى بحكمِ "الحقيقةِ المُنزَّلة" التي لا تستدعي استكمال الحوارَ؛ ولذلك تقلّ المشاهدُ الحواريّة في النّصّ بسبب هيمنة المونولوج الدّاخليّ وتقنيّة الاسترجاع على آليّة التّشكيل الفنّيّ…. وعندما يُتاح لحوار آخر أنْ يظهر بين "الشّخصيّة المحوريّة" و"آخَــر" يختلف عنها فإنّه يُوظَّف غالباً لتأكيدِ عدمِ قدرة الشّخصيّة على استكمال هذا الحوار بسبب عجز الأطراف المشاركة فيه على إيجاد صيغة تفاهُم بينها، ومن ذلك هذا المقبوس:

قلتُ أنا: إذا.. نحن الثّلاثة لا نفهم ما نقوله" (190).
🔹استراتيجيَّــةُ التّسْميَــة
والكاتب، كما قلنا، يقدِّم شخصيِّاته إلى القارئ من منظور راويه المُشارِك الذي يُغدِق على هذه الشّخصيّات مجموعة من الصِّفات، دون أن يُفسِح لها المجال للانخراط في أفعال تجسّد صفاتها في المتن إلّا نادراً (ص 57)، ومن الملاحَظ أنّه ينتقل بسلاسة بين ضمير المتكلِّم وضمير الغائب، من دون أن يترك أيّ مؤشِّرات تدلُّ على تدخُّله في سياق السّرد (76).
ويمكن للقارئ أنْ يلحظ أنّ الكاتب يملك استراتيجيّة واضحة في التّعامل مع أسماء شخصيّاته، وعنده أنّ الاسم لا يدلّ على شخصيّة حقّقت هُوِيَّتها وامتلكت ذاتها، ذلك أنّ امتلاكها لاسم لا يساعدها على فعل ذلك إذا كانتْ مُستلبَةً ومُهمَّشةً في الواقع الذي تعيش فيه؛ ولذلك تتساوى عنده الأسماءُ مع بعضها، ويغدو اسمُ "منصور" كاسم "سمير"، في الدّلالة على شخصيّة عاجزة عن تحقيق ذاتها، والتّخلُّص من حالة الاغتراب التي تعيشها، وفي رأيه أنّه ليس هناك فرقٌ بين الاسمَين السّابقين؛ فكلاهما يحمل هُويّة قيد التّشكُّل في سياق سيّال، ولا فرقَ عنده بين اسم وآخر؛ ولذلك يطلق على زميله في العمل اسم" بليلو"، ويفعل الشّيءَ نفسَه مع زميل آخر يسمّيه "نوّاف" (ص 57)، ومن الملاحَظ أنّه لا علاقة لهذه الأسماء بطبائع الشّخصيّات التي تُحِيل عليها، ولا دلالة لها بما تكتنزه من صفات، وإنّما هو إجراء سرديّ يتّخذه الكاتب كي يتماشى مع الآليّة التي ينتهجها في روايته، ويحرص فيها على تشكيل سرديّة خاصّة به يمكن أن تُسمّى "سرديّة الهذيان".
🔹سرديّـــة الرّائحـــة والبـــذاءة
ويميل الكاتب، في بناء حيِّزه القاهر، إلى استثمار الرّائحة الكريهة كعنصر سرديّ، ويجعل الشَّخصيَّةَ المحوريّةَ تنفر من بناء علاقة أليفة معه (ص155)، و قد يجعلها تحنّ إلى الأمكنة الطّرفيّة كـ "الرّصيف" (161)، بعد أن تخفق في إقامة علاقة حميمة مع المدينة أو البيت أو القطار أو الفندق، وقد يقوم بمصادرة بعض العبارات البذيئة التي تتلفَّظ بها هذه الشّخصيّة أو تلك، ويحول بيننا وبين معرفة منطوقها اللُّغويّ في موقف مُحدَّد بغية الهرب من قبضة الرّقيب الأخلاقيّ الخارجيّ، كما في الصّفحة (117)، وقد يتيح للشّخصيّة نفسها التّحرُّر من "المديح الرّخيص للطُّغاة والسّفلة" (ص 148)، ويجعلها تهجُس بالرّغبة في الانتقام منها، وتهتف بصوت مخنوق ساخرةً من الشّعار الذي كان يردِّده طلبةُ المدارس في عهد الرّئيس حافظ الأسد طوال عقود: "إلى الأبد إلى الأبد يا حافظ الأسد"، ويردِّد هو الآخر أيضاً ساخراً ومتشفِّياً من سقوط الشِّعار المذكور، وسقوط الحامل السِّياسيّ الذي دافع عنه باستماتة:
" منذ الأبد…
إلى الأزل…
منذ الأزل …
إلى الأبد …" (ص149)
🔹تركيـــب
وأخيراً، في ظنّي أنّ هذه الرّواية تُتابِع ما كتبه علي عبدالله سعيد في روايته "سكّر الهلوسة" (أوكسجين للنّشر، مونتاريو، كندا، 2023)، وتنهج النّهجَ نفسه في اختراق أعراف الكتابة الرّوائيّة، مديرةً ظهرها إلى القارئ العاديّ الذي ألِف قراءة النّصوص التّقليديّة التي تحتفي بالحكاية، وتتابِع تناميها بدءاً من استهلال شائق، مروراً بعقدة وذروة، ووصولا إلى خاتمة متوقَّعة، وفي مثل هذا النّص لا يُطلب من القارئ العاديّ امتلاكُ القدرة على فكّ شفرات النّصّ، أو المساهمة في التّعرُّف إلى الدلالة القابعة في نسيجه، بل يُطلَب منه الاستسلامُ لفعالية القراءة التّقليديّة، ومتابعة الحكاية لمعرفة حلقاتها السّرديّة، والوصول إلى خاتمتها السّعيدة، وعلي عبدالله سعيد لم يفعل هذا، بل نأى بنفسه عنه، إنْ لم نقُلْ إنّه تقصّده، وقد افترض عند شروعه في كتابة نصّه، أنّ قارئه ينبغي أن يتحرّر من أعراف التّلقّي التّقليديّ هو الآخر، وأن يكون مشاركاً في كتابة نصّه بطريقة أو بأخرى، وعليه أن يكون صبوراً، ولديه القدرة على الإحاطة بتقنيّات النّصوص الحديثة، واكتناه دلالاتها، من خلال التّفاعُل الخلّاق مع متونها السّيّالة وشفراتها الدّلاليّة، مع ربطها بالسّياقات المرجعيّة التي انبثقتْ عنها، وأحالتْ عليها؛ ولذلك فإنّ من ينشد المتعةَ المألوفةَ لنْ يجد بغيتَه في هذا النّصّ، بل عليه أنْ يمتلك عدّة القارئ الخلّاق للمشاركة في قراءته وإعادة كتابته من جديد، والإحاطة بالدّلالة القابعة في بنيته الرّامزة؛ ولهذا أظنّ أنّ هذا النّصّ وأمثاله أكثرُ صلةً بعصرنا من النُّصوص التّقليديّة التي تحرص على راحة القارئ، وتتطلّب منه أن يكون فاعلا في استيعاب ما يُوضَع بين يديه وتمثُّله، رغم ما يقتضيه ذلك من انتهاج آليّة مُغايِرة في التّفاعُل مع النًصوص الجديدةـ

"قال الرّجل: لا أفهم

قالت المرأة: لم أفهم